Make your own free website on Tripod.com

التعليـم هل يصنـع البطـالـة؟؟

د. محمد عبده يماني

 

هذا سؤال مهم لابد أن نحاول الإجابة عليه لنعرف الحقيقة: هل التعليم يصنع أو حتى يساهم في هذه البطالة التي أصبحنا نعاني منها؟!!. ولقد أحسست وأنا أتعمق في الموضوع بأن شيئاً ما حدث فأربك المسيرة وأخرج التعليم عن طبيعته السابقة عندما كانت مخرجاته تتفق مع متطلبات الحياة وحاجاتها، وكانت تساهم في الوقت نفسه في إثراء جوانب ثقافية وعلمية، حتى أولئك الذين كانوا يتعلمون ويطلبون العلم للعلم حققت لهم المسيرة التعليمية في ذلك الوقت رغباتهم، فلم يشكلوا سلبية على المسيرة التعليمية في عطائها، وتوافق ذلك مع متطلبات العمل والانتاج.
ولكن من يتتبع مسيرة التعليم في وضعه الحالي يشعر أنه أخذ يساهم في صناعة البطالة، وعزوف الشباب عن العمل، وعدم احترامهم للمهن، وأن ضخامة المناهج والاسلوب النظري للتعليم وعملية التركيز على الحفظ والاستظهار وضعف الإعداد للمدرسين واستعدادهم. كل ذلك ساهم في عزوف الطلاب عن المنهج العلمي، وعن حب العمل واحترامه، بل إن المناهج خلت في كثير من الأحيان من تلك الروح الايجابية الفاعلة في صناعة الفرد وتعليمه وتثقيفه ورفع إنتاجيته.
وهكذا رأينا مجموعة كبيرة تتخرج من مخرجات التعليم النهائية، أو تتسرب فيما بينها وهي خالية الوفاض، فنرى الطالب وقد واجه الحياة وليس في جعبته ولا في تأهيله ما يعينه على الانتاجية أو العطاء، وهكذا بدأت تتراءى فكرة أن التعليم يساهم في صناعة البطالة، ولعل الطفرة التي مررنا بها، وسرعة التوسع التي شغلت المخططين عن التعليم، فلم يغيروا المناهج على ضوء المعطيات الجديدة، ولم يجددوا السياسات والبرامج الخاصة بصناعة المدرس، ولم يعملوا على ربط هذا وذاك بسوق العمل.
ثم إن الطفرة شغلت أولاد الأمة، ووفرت لهم فترة حياة سهلة وميسرة، جعلتهم يزهدون في العمل، وهكذا تطور الأمر إلى هذه الصورة التي نراها اليوم، آلاف يدخلون المدارس، ثم الجامعات، وآلاف يتخرجون ثم بكل أسف آلاف تتسكع تبحث عن عمل، أي عمل، ولكنها غير مؤهلة للعمل، غير راغبة فيه، وغير محبة له، فكانت النتيجة المؤسفة التي نراها ونحن نستقدم ملايين من العمالة الأجنبية لنسد حاجات البلاد، وحاجات العمل عندنا، في وقت نقف فيه عاجزين عن الاستفادة من أولادنا بسبب حقيقة واضحة نعلمها جميعاً، ونقفز من فوقها دون معالجتها بصورة جادة، بأن أولئك الخريجين لا يمكن الاستفادة منهم ما لم نغير مناهجنا وطريقة إعداد المدرسين عندنا، وسياستنا التعليمية ونعلمهم حب العمل واحترام العمل.
والحقيقة أننا كأمة أكرمها الله بالإسلام، واتخذت الشريعة الإسلامية دستوراً ومنهاجاً لابد أن يكون لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أسوة حسنة، فهم القدوة، والرسول صلى الله عليه وسلم عمل وأحب العمل وحث على العمل ورغب في حب العمل، وعمل صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعد البعثة، وقد عمل قبل أن يتزوج السيدة خديجة رضى الله عنها في تجارتها وعلم صحابته الكرام حب العمل واحترام العمل، فهذا المنهاج لابد أن يكون هو منهاج حياتنا ولابد أن ينعكس هذا الأمر على مناهجنا، وأن نربط الأولاد بالعمل وبحب العمل، ولهذا فليس - في رأيي - هناك أي عيب من أن نعترف بتقصيرنا وضعف مناهجنا وبعدها عن التطبيق العملي، وخلوها من عوامل الجذب التي تحبب العمل إلى النفوس وتدعو إلى العمل.
ثم إن تطوير المناهج وربطها بالتقنية وعمليات التدريب المهني كل ذلك سيأخذ بأيديهم ويرغبهم في المهن ويحببها إلى نفوسهم. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه من العيب كل العيب أن نستمر في مناهج تقود في النهاية إلى صناعة جيش من الموظفين أو الانفار كما يقولون، لأن التعليم سواء في المرحلة الثانوية أو الجامعية على وجه الخصوص لابد أن يرتبط بقضايا التنمية البشرية شأنه شأن أي تعليم في بلاد متطورة أو بلاد نامية تحرص على الاستفادة من طاقاتها البشرية.
ومن هنا فإن هناك رغبة صادقة لدى كثير من الناس أن يروا الجامعات قد غيرت في مناهجها، وبدلت في مجالات القبول فيها، وغيرت من كلياتها، واتجهت إلى صناعة شباب إذا ما تخرجوا كانوا روافد إيجابية في عمليات التنمية، وليس صحيحاً على الاطلاق أن نستمر في تخريج هذه الآلاف من كليات الآداب بتخصصات عامة، وكليات الاقتصاد في تخصصات عامة، اقتصاد عام، وإدارة عامة، ثم يتخرج الشاب ويتسكع ولا يجد وظيفة، وكذلك كلية العلوم العامة، وكلها أمور لا يجوز أن تستمر على هذا النحو، لأن القضية بدأت تتبلور بصورة خطيرة، وبدأت تشكل عوامل ضغط على عمليات التنمية، ومن الناحية الأخرى بدأت تساهم في صناعة نوع من البطالة وتقود إلى نتائج سلبية على عمليات التنمية.
ومن هنا فإنني ممن ينادون بأن الوقت قد أزف لتغيير جذري في مناهجنا وبصورة خاصة في المرحلة الثانوية والمرحلة الجامعية وربطها بمجالاتنا واحتياجاتنا حتى نستطيع أن نقلل من هذه الأيدي العاملة الأجنبية التي بلغت اليوم سبعة ملايين، أو يزيد، وهو أمر مؤسف حقاً ويدعونا إلى عمل جاد وفاعل.
والحقيقة أننا لابد أن نشكر الله على ما تحقق من انتشار التعليم، والأموال الكبيرة التي أنفقت من أجل تعليم الإنسان السعودي، والجهود الجبارة التي بذلت، ولكن يبقى السؤال المهم: إلى أين يسير هؤلاء؟ إلى أين يتجه فلذات أكبادنا؟؟ وما المحصلة النهائية لهذا التعليم؟.. وهل يمكن أن نستمر على نفس الاتجاه ونظل نخرّج الآلاف بعد الآلاف من نفس هذا النوع من التعليم، لتكون المحصلة هذا الجيش الهائل من الموظفين؟..
وعلى أي شيء ستعتمد خطتنا الحالية والقادمة في مجال التنمية، وبصورة خاصة الصناعية والزراعية والاجتماعية؟ وهل يمكن أن يسد هؤلاء تلك الفراغات الكبيرة والحاجة الكبيرة إلى اليد العاملة الفنية الماهرة؟؟ وهل هم فعلاً أيد منتجة ومدربة؟ أم أننا نسير على نفس الطريقة التقليدية القديمة لمجرد الاستمرارية دون أن نحسب حساباً لأبعاد المرحلة الحاضرة، وتحديات المستقبل ومتطلباته؟
لقد نجح التعليم في السابق، لأننا كنا بحاجة إلى أي متعلم وكانت إمكاناتنا تسمح باستيعاب أي متعلم من أي نوع، وكان الفرد يتخرج من الشريعة ليعمل في الصحة، أو في البلديات، وقد يتخرج من العلوم ليعمل في الصحافة أو في الشرطة، أو في أي مجال آخر، كنا نتحمل ونقدر، وبإمكاننا استعياب الآلاف.
ولكن القضية اختلفت اليوم، الحاجة تختلف، وقدرتنا تختلف أيضاً، ولابد أن نتعاون على إعادة برمجة خطط التعليم وصناعة اليد العاملة بما يتفق مع حاجتنا وقدرتنا وإمكاناتنا، حتى لا نضيّع هذا الجيل، ونهدر طاقاته، ونضيع على الأمة فرص الاستفادة الصحيحة من هذه القدرات الانتاجية.
ولابد من نقل هذه الطاقات الشابة من القطاعات غير المنتجة إلى قطاعات منتجة، أو على الأقل أكثر إنتاجاً، لأن القوى البشرية ــ وخاصة الطاقات العاملة ــ هي الثروة الحقيقية للأمة وهي حجر الزاوية في تقدمها، وكلما زادت إنتاجية الفرد كلما تحسن أداء الأمة.
وكل هذا لن ننجح فيه ولن يتم على الصورة التي نريدها إلا عن طريق التعليم والعناية بتدريب العنصر البشري وتعليمه وتوجيهه بما يتفق وحاجة الأمة، ومن المهم أيضاً أن تتجاوب الخطة التعليمية مع المتغيرات التي تطرأ على عملية التنمية وتتجاوب معها وتستجيب لمتطلباتها.
ولهذا فإن الصورة المطلوبة للتعليم قد اختلفت عن ذي قبل، لأن العملية التنموية وظروف الأمة قد اختلفت أيضاً كما أسلفنا، ولابد من عودة إلى مراحل التعليم الأولى لتوجيهها توجيهاً مختلفاً، وألا نستمر في غرس أهمية الشهادة، وفكرة الشهادة في نفوس الناشئة حتى لا يندفعوا إلى مجالات غير منتجة وغير مفيدة - ربما في بعض الحالات - لا للبلاد.. ولا لهؤلاء الأبناء.
لقد أصبحنا نشعر بأهمية العناية ببرامج التعليم، وحاضر التعليم ومستقبل التعليم في بلادنا، ونحن جميعاً نقدر الدور الذي تقوم به اللجنة العليا لسياسة التعليم ووزارة التعليم، والدراسات الجادة التي تمت وتتم، ولكن العجلة تدور بسرعة، ويد واحدة لا تصفق كما يقولون، ويد الله مع الجماعة، وأمور التعليم تسير بطريقة روتينية وبطيئة، ولابد من فحص عميق ودراسات واقعية تأخذ في اعتبارها الوضع الحالي والتحديات المستقبلية، وأن نظرة واحدة إلى ما حولنا من الدول الصديقة ترهبنا وتجعلنا نتحسّب للعواقب، فلنتدارك الأمر ما دام لدينا فسحة من الوقت، أو ما بقي من الوقت.
إن قضية التخطيط في مجال التعليم وبصورة خاصة التعليم الثانوي والجامعي، تعتبر قضية مهمة في رأيي، تخصنا وتخص أجيالاً قادمة سترث هذا العبء إذا نحن قصرنا أو تساهلنا فيه، لأن هذه الفئات التي نعلمها اليوم هي حجر الزاوية بالنسبة لقضايا التنمية، والتعليم عامل مهم، ولعله العامل الأساس مثله في ذلك مثل العوامل الاقتصادية الأخرى، ومن العوامل الأساسية في عملية التنمية الاقتصادية، وإنه لأمر مؤسف أن تحسب أن هناك إهداراً للطاقات البشرية، التي يفترض أنها تبني هذا الوطن، عن طريق التسرب، أو التسيب، وكلاهما عاملان خطيران في هدم طاقات الأمة، خصوصاً إذا لاحظنا أن هناك عملية تبديد هائلة تتم بعد مرحلة الكفاءة، وكذلك الثانوية العامة، ناهيك عن أولئك الذين بدأنا نواجههم كعاطلين عن العمل بعد الشهادة الثانوية، أو الجامعية، ليس عيباً ولا هو بالأمر الخطير أن نواجه كل هذه الأفواج التي تتخرج، فهذه نعمة من نعم الله علينا بعد أن ارتفع مستوى التعليم، ولكن العيب كل العيب في عدم الاستفادة من تعليم هؤلاء.. وربط عملية التعليم بقضايا التنمية، فهذه الأفواج من الممكن أن تكون أيادي تبني وتشيد، لا أن تتحول إلى جيوش من طلاب الوظائف الذين يسرعون للالتحاق بالوظائف الحكومية لو وجدوها، دون عمل حقيقي يعود على الأمة وعلى الوطن بالمردود الايجابي الصحيح، بل إن الوظائف الحكومية لم تعد قادرة على استيعابهم، ومن هنا جاءت أهمية الإفادة من هذه الأعداد من الطاقات المعطلة على أسس صحيحة.
ولعلنا نلاحظ اليوم هذه الأعداد الكبيرة التي تقف على أبواب الجامعات في بلادنا تطلب الالتحاق بكلية، وبعضهم ينادي بأعلى صوته ويلجأ للوساطة والاستثناء.. يريد كلية، أي كلية، وهكذا تلتحق أعداد كبيرة بالجامعات، والكثير منهم غير سعداء بالكليات التي التحقوا بها، ولكن بريق هذه الكلية أو تلك أغراه بالدخول فيها.
«يقف على أبواب جامعاتنا اليوم الآلاف والكثيرون منهم كذلك يسيرون في هذا الطريق دون تفكير قليل أو كثير.. إنما هم راضون دائماً بما يجيء، وحياتهم ليست من صنعهم، ولكنها من صنع الآخرين دائماً، هؤلاء هم الغالبية.
وبعد خمس سنوات أو ست علي الأكثر سنجد أنفسنا أمام الآلاف المؤلفة من الشباب الذين يخرجون إلى حياة عملية ضخمة معقدة، وسيواجهون عالما مثقلاً بالمشاكل، وفرص العمل أمامهم قليلة، ومشاكل السن ومتطلبات الحياة، وأمامهم عقد لا تحل، وستواجههم دون شك مشاكل أخرى، وسيضافون إلى جماهير الشباب الذين تخرجوا قبلهم في السنوات السابقة على تخرجهم، وسيقفون في طابور الحيرة والمتاعب الطويل.
وبعد قليل سيكونون قد دخلوا في زمرة العاطلين لأنهم يشغلون وظائف متدنية، ولأن رواتب هذه الوظائف أو إيرادها لا يسدإلا جزءاً من مطالبهم، ولكن ليس لهم أي خيار، فتلك هي الدنيا، وهذه هي الظروف من حولهم وهم في أماكنهم من الطابور وليس أمامهم إلا المسير في أعقاب الآخرين.
إن غالبية هؤلاء سيتحولون مع الزمن إلى أفراد في جيش هائل من الكهول المجاهيل الذين يعتادون الألم وينسون الطموح وتتلاشى من قلوبهم الآمال.. ويصبح جهدهم كله موجهاً إلى الحصول علي ضرورات الحياة»(1).
وخلاصة القول: إن نظرتنا إلى المستقبل القريب، أو البعيد، توضح أهمية الالتفات إلى قضية التعليم وربطها بالتنمية بصورة تحقق مصلحة الوطن وتستوعب هذه الأعداد الهائلة التي سوف يتوالى تخرجها، وبالتالي بحثها عن عمل مناسب ومنتج في نفس الوقت. ولا شك أن قضية بناء الفرد لنفسه وتحسين مستواه العلمي تعتبر قضية مهمة، ولهذا فإن المسؤولية تبدأ من الطلاب أنفسهم، ومن الأسرة التي تقف خلفهم لتوجيههم التوجيه السليم، وإعانتهم على اختيار التعليم الصحيح الذي يتفق مع إمكاناتهم ويتحقق لهم مستقبل مشرق، مع الأخذ في الاعتبار الفرص المتاحة للعمل في البلد، والبعد عن المؤثرات الاجتماعية التي تدفع بأبنائنا إلى اختيار كليات ومعاهد لا تحقق رغباتهم، وليست في إطار حاجة البلاد فتكون النتيجة الحتمية بطالة متزايدة، لا يجني منها الفرد أي خير، ولا تجني منها الأمة أي فائدة، وكثيراً ما نشاهد رجالاً تخرجوا ثم بدأوا مرة أخرى من الصفر، يحاولون أن يتعلموا مهنة يستفيدون منها، ولهذا تبدو الصورة قاتمة، وكأن التعليم يساهم في البطالة وصناعة العاطلين ،القابعين بلا عمل.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
نشر في مجلة (المعرفة) عدد (38) بتاريخ (جمادى الأولى 1419هـ -سبتمبر 1998م)

: http://www.bab.com