Make your own free website on Tripod.com

متفوقوا الهند يديرون العالم

 سمير عابد شيخ

 

يشهد عصر العولمة الكثيرمن الظواهر الغريبة التي لم تشاهد من قبل، منها أن عدداً متزايداً من رؤساء أشهر الشركات العالمية والقائمين على إدارتها وكذا رجال الأعمال الناجحين والعلماء البارزين في حقول معارفهم،هم خريجوا جامعة واحدة، هذه الجامعة ليست في أمريكا أو أوروبا أو اليابان بل في الهند، ويبدو أن العولمة ظاهرة اختلف المفكرون في تقويمها بشكل لم يسبق له مثيل، بيد أن هذا الاختلاف الحاد حطمته الصفوة المتميزة من خريجي معهد الهند التقني (IIT) في الهند، وأثبتوا أن العولمة لا تعرف الحدود السياسية فالموهوبون تبحث عنهم وتستقطبهم الشركات العالمية دون النظر إلى العرق أو لون البشرة، بل فقط الموهبة والقدرات الذهنية والمعارف.
في عام 1951م حين نالت الهند استقلالها من بريطانيا، عزم رئيس وزرائها آنذاك جواهر لال نهرو على توجيه عجلة النمو في بلده تجاه التصنيع والتقنية. وكان من اللازم أن يشكل أبناء البلاد لبنة هذا النمو وذلك بحصولهم على المعارف والعلوم والتقنية. وارتأى نهرو أن تنفق الدولة من عزيز مالها على مؤسساتها العلمية بدلاً من الاعتماد على الدعم المالي من المؤسسات العلمية الغربية. ومن ثم تبلورت فكرة إنشاء «معهد الهند التقني» (
IIT) مستنداً إلى نموذج المعهد الأمريكي التقني الشهير (MIT) وبدعم مالي من منظمة «اليونيسكو» التابعة للأمم المتحدة.
ونظراً لمحدودية المصادر، لم تستطع الهند بناء حرم جامعي فاره، بل حولت سجناً قديماً كانت تستخدمه بريطانيا في سنوات الاحتلال لسجن الهنود إلى أول حرم جامعي لذلك المعهد.
وكانت قصة نجاح استتبعها فتح خمسة فروع للمعهد في شمال وغرب البلاد، كل فرع مكلف بتقديم تخصص يختلف عن الآخر وبأعلى المستويات العلمية على الصعيد العالمي. هذه التخصصات هي: الفيزياء والهندسة الميكانيكية والهندسة الكيميائية وعلوم الحاسب الآلي وعلوم الفضاء.
المواطن أم الوطن؟
قد يعجب القارئ عندما يتعرف على هذه المعلومات عن الهند، خصوصاً أن هذه الدولة ينظر لها كشعار للفاقة والفقر، ولمواطنيها موضع العطف بل وعدم الاكتراث والاستصغار. ولعلنا نذكر على استحياء كيف كان المواطن الهندي مضرباً للأمثال الهازئة أحياناً.
ومن اللافت والجدير بالتأمل أن هذا البلد الفقير ومواطنوه استطاعوا الارتقاء بوطنهم وتخريج أجيال من الموهوبين الذين تقلدوا أعلى المناصب في الشركات العالمية، لقد علت الدهشة الخبراء في قطاع المصارف العالمية- وهو قطاع يتسم بالمنافسة الشرسة ويتطلب لقيادته قدراً من التميز والكفاءة والقدرات الذهنية- عندما تم تعيين خريج من معهد الهند التقني كمدير عام لمجموعة سيتي بانك (
Citigruop) المصرفية العريقة، كما فوجئ قطاع النقل الجوي العالمي بتعيين خريج آخر من تلك المعاهد كرئيس لخطوط طيران يو. أس. أيه (US Airways). أما على صعيد صناعة الحاسبات الآلية وبرامجها وقطاع الاتصالات فهما زاخران بهؤلاء الموهوبين الهنود، ومن بين هذه الشركات شركة صن للأنظمة (Sun Micro Systems) وشركة كاسكيد للاتصالات (Cascado Cmmunication).
وتقديراً لموهبة هؤلاء الخريجين وقدراتهم عهد لهم سوق المال في وول استريــت استحــداث أوعيـة استثمارية جديدة (
Derivatatiues) تخضع لرياضيات بالغة التعقيد.
صناعة الشباب
تقول مجلة نيوزويك في عددها الصادر في (7/2/89) إن معاهد التقنية الهندية استطاعت أن تصنع جيلاً فذاً من خلال تلقيهم برامج دراسية «صعبة وذات مستوى رفيع» مما جعل خريجيها سادة حل المعضلات التقنية. ولعل من أبرز ما أنجزته هذه المعاهد تدريب الشباب على استخدام مقدراتهم العقلية في حل المشكلات الشائكة والعالية التعقيد، كذلك تم تدربهم على استخدام العقل للتعامل مع الرياضيات، مما أدى إلى تفوق الطلاب الهنود على أقرانهم الأمريكيين الذين يعتمدون بشكل كبير على الآلات الحاسبة وبشكل أقل على العقول المتدربة.
ويقول رئيس شركة طيران (
Us Airways) الهندي إن سرعة حاسباته العقلية هي التي أعطته ميزة في عمله وساعدته على النجاح وتخطي الكثيرمن العقبات التي ألمت بالشركة. كما اتجهت معاهد الهند التقنية إلى تلقين طلابها العلوم النظرية وكذلك الممارسة العملية وكأنها جمعت بين أفضل الجامعات الأكاديمية مع أعلى المعاهد التقنية في قالب واحد.
الوطن الجديد
أدى التفوق والتميز في مستوى خريجي هذه المعاهد إلى هجرة الآلاف منهم إلى الولايات المتحدة للاستفادة من الفرص الحياتية المميزة، وعلى الرغم من أن الحكومة الهندية تتحفظ على هذه الظاهرة، إلا أن مردود هؤلاء المادي والمعنوي على الهند يجعلها تغض النظر عن ذلك.
في عام 1998 استقبلت الولايات المتحدة حوالي ثلث خريجي هذه المعاهد، -وكمثال لذلك خريجو معهد الحاسبات الآلية، فإن سيليكون فالي (
Silicon Valley) بولاية كاليفورينا- مهد صناعة الحاسبات الآلية بأمريكا- يجتذب ما لا يقل عن 80% من خريجي هذا المعهد سنوياً! وعلى العموم فهجرة هذه العقول تخلق فوائد متبادلة فشباب الهند يستفيد من فرص العمل والدخل المادي الكبير، وعلى جانب آخر توظف الشركات الأمريكية هذه المواهب في السبق في التقنيات ومن ثم تحقيق السيطرة على الأسواق.
بلدي الحبيب
بالرغم مما تقدمه الولايات المتحدة لهذه الصفوة من الشباب النابغ، فإن كثيراً منهم لا ينسون أو يتناسون بلدهم، فنجد كثيراً منهم يقوم بالتبرع بسخاء للتعليم في بلادهم وإقامة المشروعات الصناعية وتمويلها أو إمدادها بالمشورة الفنية مما يعود على الهند ومواطنيها بالخير، فلقد قام أحدهم بالتبرع بثلاثة ملايين دولار لبناء كلية الإدارة التابعة لمعهد آي. آي. تي في بلده. ويقوم الآخر بتبني مشروع إقامة كلية إدارة الأعمال بالاشتراك مع كلية «وارتون» (
Warton) الأمريكية الشهيرة مثل «إنتل» و«فيليبس» بواعز من الشباب الهندي الذي أصبح ينتمي لها بالاستثمارات الكبيرة في الهند.
السؤال الحرج
يذكر التقرير آنف الذكر أنه نظراً لعوز الطلبة الهنود فمن العادي جداً أن يشترك 25 طالباً في كتاب واحد، حيث يقومون بتبادله وتصوير أجزاء منه، ومع ذلك يحقق هؤلاء الدارسون التفوق الواضح والذي يدفع بعض الجامعات الأمريكية ذائعة الصيت إلى أن تكتب إلى هذه المعاهد عارضة منحاً دراسية لخريجيها لإكمال الدراسات العليا بها، بل إن جامعة «ماريلاند» أبدت استعدادها لاستيعاب كافة الخريجين واعطائهم منحاً للدراسة في الولايات المتحدة.
والسؤال الذي لا مفر منه هو: لماذا يلمع نجم هؤلاء الشباب المبرزين رغم فاقتهم وظروفهم المعيشية الصعبة بالفعل وتسعى وراءهم المؤسسات العلمية والشركات العالمية، كما يغوص الباحثون عن اللؤلؤ لاقتنائه.. في حين يندر وجود هذه النماذج في مجتمعاتنا العربية...!
نشر في مجلة (المعرفة) عدد (57) بتاريخ (ذوالحجة 1420هـ -مارس 2000م

 : http://www.bab.com